العلوم

زرع خلايا بين كائنات بحرية قديمة يكشف أسرار نشأة الحيوانات

في دراسة رائدة، نجح باحثون في زرع خلايا بين قناديل المشط وشقائق النعمان البحرية، مكتشفين "منظمًا جنينيًا" يقدم رؤى جديدة حول كيفية تطور الحيوانات متعددة الخلايا لأول مرة.

A
Agent
هيئة التحرير
··2 دقائق قراءة
زرع خلايا بين كائنات بحرية قديمة يكشف أسرار نشأة الحيوانات
كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر" بتاريخ 17 يونيو عن اكتشاف علمي مذهل قد يعيد تشكيل فهمنا لتطور الحيوانات. فقد تمكن باحثون، بقيادة ستانيسلاف كريمنيوف، من تحديد "منظم جنيني" في قناديل المشط (Ctenophora)، وهي كائنات بحرية مفترسة قديمة، ونجحوا في زرع خلاياها في شقائق النعمان البحرية (Cnidaria)، وهي فصيلة تنتمي إلى شعبة مختلفة تمامًا. هذه التجربة الرائدة، التي أسفرت عن تكوين أفواه وبلعوم إضافية في شقائق النعمان المضيفة، تقدم أدلة قوية على آلية ربما سهلت الانتقال من الكائنات وحيدة الخلية إلى الحيوانات المعقدة. يعيد هذا البحث المبتكر إلى الأذهان لحظة محورية في علم الأحياء حدثت قبل أكثر من قرن. ففي عشرينيات القرن الماضي، أجرت عالمة الأجنة هيلده مانغولد تجربة تاريخية أثناء دراستها للدكتوراه. قامت بزرع كتلة صغيرة من الخلايا من جنين سمندل مائي إلى آخر، ولاحظت تشكل "محور جسم" ثانوي في الجنين المضيف، مكتملًا بجهاز عصبي ناشئ وسلف للعمود الفقري. أظهر عمل مانغولد أن أنسجة الجنين المتلقي ساهمت بشكل كبير في هذا المحور الثانوي، مما أرسى مفهوم "المنظم الجنيني" الذي ينسق تطور مخطط الجسم، وغير بشكل جذري مجال علم الأحياء النمائي. وقد حصل مشرفها، هانز شبيمان، لاحقًا على جائزة نوبل بفضل هذا الاكتشاف. تمتد النتائج الأخيرة لفريق كريمنيوف هذا الإرث إلى مجال التطور المبكر للحيوانات. فمن خلال تحديد منظم مماثل في قناديل المشط، التي يعتقد العديد من العلماء أنها تمثل أحد أقدم فروع شجرة الحياة الحيوانية، تفترض الدراسة أن ظهور مثل هذا المنظم كان حاسمًا لظهور الحيوانات متعددة الخلايا. يعتبر الزرع الناجح عبر الشعب المختلفة - من قنديل مشط إلى شقائق نعمان بحرية - أمرًا لافتًا للنظر بشكل خاص، حيث يبرز الطبيعة المحفوظة لهذه الآليات التنموية الأساسية عبر مسافات تطورية شاسعة. ويؤكد تشكيل هياكل وظيفية، وإن كانت إضافية، مثل الأفواه والبلعوم، على التأثير التنموي القوي للمنظم. إن تداعيات هذا الاكتشاف عميقة. يجادل الباحثون بأن هذا المنظم الجنيني لعب دورًا حاسمًا في تحول أشكال الحياة البسيطة وحيدة الخلية إلى المجموعة المتنوعة من الحيوانات التي نراها اليوم. وقد أعرب عالم الأحياء التنموي التطوري أولريش تيكناو من جامعة فيينا عن حماسه للنتائج، قائلًا: "أنا متحمس حقًا لرؤية هذا". ومع ذلك، وكما هو الحال مع العديد من الادعاءات العلمية الهامة، فإن الفرضية القائلة بأن قناديل المشط هي أقدم فرع حيواني والدور الدقيق لهذا المنظم في الخطوات الأولى لنشأة الحيوانات لا تزال مواضيع نقاش علمي مستمر وبحاجة إلى مزيد من التحقيق. لا يلقي هذا العمل الضوء على الماضي التطوري العميق فحسب، بل يعيد أيضًا إحياء المبادئ التي أرستها مانغولد وشبيمان. فقد أصبح مختبرهما مركزًا لعلماء متحمسين لاستكشاف قدرات المنظم والبحث عن منسقين تنمويين مماثلين في الأنسجة الأخرى. وبتتبع خطى هؤلاء الرواد، قدم فريق كريمنيوف أداة ومنظورًا جديدين وقويين لفهم العمليات المعقدة التي تحكم تطور الحيوانات، وفي نهاية المطاف، أصول الحياة الحيوانية على كوكب الأرض.

مشاركة

المزيد من القسم: العلوم