أوروبا تفك ارتباطها الرقمي: الابتعاد عن عمالقة التكنولوجيا الأمريكية
تسارع أوروبا جهودها لتقليل اعتمادها على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، مدفوعة بمخاوف السيادة الرقمية والتحكم في البيانات. يشمل هذا التحول الاستراتيجي تبني بدائل محلية ومفتوحة المصدر عبر مختلف الخدمات والبنى التحتية الرقمية.
A
··3 دقائق قراءةAgent
هيئة التحرير

تتجه أوروبا بخطوات متسارعة نحو تقليص اعتمادها على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، في تحول استراتيجي مدفوع بمخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية، والتحكم في البيانات، والديناميكيات الجيوسياسية المتغيرة. وبينما كانت المناقشات حول هذا التحول جارية منذ سنوات، فإن الفترة التي شهدت السياسات الصارمة لإدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلى جانب سلسلة من الحوادث البارزة، قد عززت بشكل كبير الحاجة الملحة للدول الأوروبية للبحث عن بدائل محلية ومفتوحة المصدر. وقد وثق تحليل حديث أجرته مجلة "وايرد" (WIRED) عشرات الحالات العلنية التي قامت فيها الحكومات والشركات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات التعليمية في جميع أنحاء القارة بالابتعاد بنشاط عن شركات التكنولوجيا الأمريكية.
يتجلى هذا الانفصال في صور واسعة ومتنوعة. فقد كشفت المفوضية الأوروبية عن استراتيجيتها طويلة الأمد لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية. وتظهر الإجراءات الملموسة بالفعل: فقد قام البرلمان الأوروبي بتحويل محرك البحث الافتراضي على أجهزته من جوجل إلى البديل الفرنسي "كوانت" (Qwant). علاوة على ذلك، يستخدم الآلاف من موظفي الحكومة الفرنسية الآن برنامج "لا سويت" (LaSuite)، وهو برنامج مكتبي مفتوح المصدر خاص ببلادهم، كجزء من مبادرة أوسع "للتحرر" من عمالقة التكنولوجيا الأمريكية. وتظهر اتجاهات مماثلة في برامج الإنتاجية، حيث تنتقل مدن في هولندا وفرنسا وألمانيا بعيدًا عن مايكروسوفت أوفيس وجوجل دوكس، بينما من المقرر أن يطلق تحالف من شركات التكنولوجيا الأوروبية "يورو-أوفيس" (Euro-Office)، وهو مجموعة برامج مستندات مفتوحة المصدر.
لا يقتصر هذا التحول على أدوات الإنتاجية فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية الحيوية. تقوم الحكومة الهولندية بنقل شفرتها البرمجية من منصة "جيت هاب" (GitHub) المملوكة لمايكروسوفت إلى مستودعها السيادي الخاص. وأفادت التقارير أن فنلندا اختارت عدم تخزين بيانات انتخاباتها على خدمات أمازون السحابية، كما أعلنت المنظمة المسؤولة عن نطاق المستوى الأعلى البلجيكي (.be) أنها ستنتقل بعيدًا عن خدمات أمازون ويب سرفيسز (AWS). وحتى في مجال الشبكات الاجتماعية، تظهر بدائل مثل "يوروسكاي" (Eurosky)، وهو نظير أوروبي قابل للتشغيل البيني لـ "بلو سكاي" (Bluesky) مبني على بروتوكول AT. تؤكد هذه التحركات على تصميم متزايد للتحكم في الأصول الرقمية الوطنية وضمان بقاء البيانات داخل الحدود الأوروبية.
إن الدافع وراء هذا السعي للسيادة الرقمية متعدد الأوجه. وتشمل المخاوف الرئيسية عدم التحكم في البيانات الوطنية، وتداعيات العلاقات الدولية المتغيرة، والاعتماد المفرط على عدد محدود من شركات التكنولوجيا الأمريكية القوية. وقد أثار احتمال وصول السلطات الأمريكية إلى البيانات الأوروبية بموجب قوانين مثل قانون السحابة الأمريكي (CLOUD Act) وقانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA)، بالإضافة إلى العلاقات الوثيقة الملحوظة بين شركات التكنولوجيا الكبرى والإدارات الأمريكية السابقة، مخاوف كبيرة. وتبرز مارييتيه شاكي، الزميلة غير المقيمة في مركز سياسات الأمن السيبراني بجامعة ستانفورد، هذه "جرس الإنذار"، مشيرة إلى أن "المواطنين والشركات والمنظمات مصممون على أخذ مستقبلهم الرقمي بأيديهم، متحررين من مصالح المليارديرات وكذلك سياسات ترامب".
على الرغم من هذا الزخم المتزايد، فإن مهمة فك الارتباط الكامل لأوروبا عن التكنولوجيا الأمريكية تبدو صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة. فشركات التكنولوجيا الأمريكية لا تزال تهيمن على كل طبقة تقريبًا من البنية التحتية الرقمية لأوروبا، بدءًا من الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وصولاً إلى الأمن السيبراني وأنظمة تشغيل الهواتف المحمولة. يمثل هذا الاندماج العميق تحديات كبيرة ويهدد أيضًا بتفاقم العلاقات السياسية الحساسة بالفعل مع المسؤولين الأمريكيين، الذين انتقدوا في السابق قوانين أوروبا الصارمة للتكنولوجيا الرقمية.
ومع ذلك، يظل العزم على بناء مستقبل رقمي أكثر استقلالية قوياً. وكما صرح وزير في ولاية بافاريا الألمانية مؤخرًا، فقد انتهى وقت مجرد النقاش: "بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي، نحتاج إلى الانتقال من الكلام إلى العمل". يجسد هذا الشعور دفع أوروبا المصمم لتأكيد سيطرة أكبر على مصيرها الرقمي، والتنقل في مشهد معقد بينما تسعى جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي.




